عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

511

معارج التفكر ودقائق التدبر

* . . فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( 34 ) : الوليّ : النّصير المعين ، والصّديق الملازم . الحميم : القريب الّذي تودّه ويودّك . البيان في هذه العبارة اختيرت فيه الصّورة الأشدّ من تأثير الدّفع بالّتي هي أحسن ، إذ قد يصل إلى تحويل العدوّ إلى شبيه بالوليّ الحميم ، فأغنى ذكرها عن ذكر ما دونها من الصّور . والسّبب في هذا التحوّل أنّ البادئ بالإساءة إذا قوبل بالإحسان يشعر بحقارة نفسه خلقيا وسلوكيا تجاه من قابل إساءته بالّتي هي أحسن ، فيحاول تغطية عمله السّابق ليحسّن صورة سلوكه أمام نفسه ، وأمام حامل رسالة الدّعوة إلى اللّه ، بأعمال فيها مبالغة في التّحسين ، حتّى كأنّه وليّ حميم ، لا يحمل عداوة ولا كراهية ، بل يحمل ودّا وولاء . ولمّا كان دفع السّيّئة بالّتي هي أحسن من الخصال الفاضلة ذات الامتياز الرّفيع ، والّتي لا يتّصف بها إلّا ذو حظّ عظيم من فضائل الأخلاق ، قال اللّه تعالى : * وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ( 35 ) : * وَما يُلَقَّاها : أي : وما يمنح تلقّيا هذه الخصلة الحميدة إلّا الّذين اتّصفوا بخلق الصّبر ، وإلّا الّذين لهم حظّ عظيم من الإيمان وابتغاء رضوان الرّحيم الرّحمن . يقال لغة : « تلقّى فلان الشّيء من فلان » أي : أخذه منه . وجاء التّعبير بعبارة : يُلَقَّاها بالبناء لما لم يسمّ فاعله للدّلالة ضمنا على أنّ هذه الخصلة العظيمة تأتي منحة من اللّه لبعض عباده ، إذا كانوا في حيواتهم من الصّابرين ، وكان لهم حظّ عظيم من الإيمان ، وابتغاء رضوان وثواب الرّحمن الوهّاب المنّان .